
ربما يذهب عقل بعض القراء لشخص بعينه، لأن كلمة (العوقة) وردت على لسان أحد المحللين يصف بها مسؤولاً كبيراً بأنه (عوقة) مما زرع الدهشة على وجه المذيع العربي الذي سارع بسؤاله بقلق واضح إن كانت الكلمة (وحشة) كما يقول المصريون، ولعل ذلك يذكرنا بقول أحد السفراء الذين أحسب أن بهم اعاقة ما حيث تأتأ حينما سأله المذيع عن معنى كلمة (البعاتي) التي ذكرها وكانت فرصة للحكي عن أسطورة (البعاتي ) السودانية و لكن هناك ما (اعاقه) عن (الحكي) كما يقول الشوام، و (دا ما موضوعنا).
لكن المشار إليه أعلاه شئنا أم أبينا كانت كثير من تصرفاته تحمل دلالات (إعاقة) في جانب ما، أو كأن جهة ما أرادت أن تخرجه للعامة في صورة الشخص (العوقة) الذي يُثير الضحك أكثر مما يُلهم الاحترام والميديا لم تقصر فقد كشفت كثيراً من القصور الذي كانت نتائجه صفراً كبيراً (مدردم وماكن) و ما أقسى أن يكون الصفر (ماكن) فهو الصفر الذي لا يُمحى، بل يُحفر في الذاكرة كفشل رسمي معلن.
(العوقة) في الثقافة المحلية هو ليس (العضير) فالأخير له (عذر) يحول دون الأداء الجيد للمهمة و(العضير) غالباً تُعبر عن إعاقة جسدية اما (العوقة) فتُعبر عن اعاقة عقلية ذهنية وتطلق غالباً بسخرية على شخص يعتقد أنه سليم عقلياً لكن تصرفاته توحي بغير ذلك أي تصرفات واضح بها الإعاقة.
(العوق) في الفصحى تعني المنع، الإبطاء، التعطيل، الإعاقة عن الفعل أو الهدف.
والمعنى الشعبي قريب جداً من الأصل الفصيح، لأن كليهما يشير إلى (عائق) أو نقص أو خلل يمنع الإنسان من أداء فعله الطبيعي لكن اللهجة السودانية منحته طابعاً ساخراً .
أما العتود فهي مفردة سودانية أصيلة كاملة الدسم، فهو صغير الماعز من الذكور كثير الحركة يخلق نوعا من الفوضي بالمكان الذي يوجد به والمفردة ربما في طريقها للانقراض أو انقرضت فعلياً تذكرتها وأنا أستعيد مشهداً قديماً من أيام الجامعة في الثمانينيات كنا مجموعة من الأصدقاء في رحلة شبابية نهاية العام الدراسي بمناسبة وداع (الآنسة الجميلة) التي كانت ستغادر إلى أهلها في إحدى دول الخليج وفي أجواء البهجة قلت نكتة لا أذكرها الآن، فقط أذكر أن بها كلمة (عتود) ضحك الجميع، إلا (الآنسة الجميلة) التي كنت انتظر ضحكتها الجميلة لكنها تأخرت في الضحك، ثم انفجرت ضاحكة بعد الجميع، وسألتني وهي تمسح دموعها:
(عتود يعني شنو؟؟).
سكت الجمع لحظة، ثم انفجرنا جميعاً من جديد، ليس من النكتة، بل من السؤال نفسه!!! فلم نتوقع أن يكون بيننا من لا يعرف العتود والسخلة !!! لكن تلك اللحظة فتحت باباً طريفاً للحديث عن ذكور وإناث الحيوانات و(جنياتها) بين الفصيح والعامي و بين الضحك والدهشة.
تخيل معي يا صديقي، هذا الحديث كان قبل أكثر من أربعة عقود، حين كانت مفردات مثل (العتود) و(السخلة) و (التقرة) وأنواعها من (البعامية) و (الكَرتَّا) جزءاً من اللغة اليومية مرتبطة بالبيئة الريفية التي شكلت وجدان السودان كله.
تذكرت ذلك وأنا بمهجري القسري اليوم حين كنت جالساً مع أبناء أحد الأصدقاء وهم في مراحل دراسية مختلفة وكلهم لا يعرفون معنى (سخلة) ولا (عتود).
حينها فقط أدركت كم أنا غبي، تلك الكلمة التي لم تفهمها زميلتي في الجامعة قبل عقود، كيف يفهمها جيل لم يرَ في حياته (غنماية) أو (تيس) ولا حتى بيضة بلدية من تحت دجاجة؟.
وهل اكتفي بالاشارة لهم على كم (الغنم و التيوس والعتان) التي نراها بالتلفزيون ونقول أنها كائنات تشبه هؤلاء في تصرفاتهم.
و هنا طرأ على ذهني سؤال مهم جداً، لماذا لا نحتفي بلهجاتنا المحلية ومفرداتنا الشعبية السودانية الغنية والمتنوعة؟؟؟
أولادنا الذين وُلدوا في المهاجر أصبحوا شبه منفصلين عن جذورهم الثقافية، رغم أنهم يأكلون الكسرة والويكة والشطة، ويتحدثون عن السودان بعاطفة جياشة لكن الثقافة ليست أكلات، بل هي وجدان وذاكرة وبيئة وأساطير، هي الشريان الذي إن انقطع مات الوطن فينا ونحن أحياء.
و رغم ذلك نلاحظ أن الجاليات السودانية في الخارج تهتم كثيراً بالجانب الاجتماعي والديني، وتركز علي المأكولات والمشروبات لكنها تُهمل الجانب الثقافي واللغوي، الذي هو الأهم في ربط الأجيال الجديدة بجذورهم فخلال اغترابي الذي تجاوز العقدين لم أرَ فعالية واحدة تهتم باللهجات المحلية أو الأغاني التراثية أو الحكايات الشعبية وكأننا نريد أن نصبح مثل بعضنا نسخة رمادية باهتة و العالم من حولنا.
حقيقة السودان في جوهره ريف كبير حتى العاصمة نفسها ليست إلا تجميعاً لريف متعدد اللهجات والثقافات.
أذكر أن لي عمة رحمها الله كانت تسكن امتداد الدرجة الثالثة بالخرطوم، وداخل بيتها كانت تربي الأغنام والدجاج البلدي، وتحتفظ ببقايا علف في ركن الحوش، وكأنها ما تزال في القرية. كانت تلك المشاهد جزءاً من روح المكان أما اليوم فقد تلاشت تلك الروح.
لم نعد نعرف حتى كيف يولد الحَمَل، ولا من أين يخرج الكتكوت.
وأصبح أطفالنا يسألون أسئلة غريبة عن الحياة لأنهم لم يعودوا يرونها بعينهم لو كانوا في بيئة طبيعية، لما سألوا (كيف يخرج الطفل من بطن امه؟) لأنهم كانوا سيعرفون بالفطرة كما كنا نعرف أن الحياة تبدأ من رحم الطبيعة، من مشهد ميلاد سخلة وعتود أو خوار بقرة تلد عجلاً و تُنذر العالم بولادة جديدة.
وهنا أصل الفكرة أن انقطاعنا عن لغتنا وموروثنا وثقافتنا هو نوع من (الاعاقة) المعنوية، تماماً كما أن التخبط السياسي والفكري الذي نراه اليوم هو (اعاقة) في الوعي العام و حين يغيب الأصل يضيع الفهم والسودان دولة رعوية زراعية وحين تنقطع السلسلة بين الجيل والجيل يصبح الوطن كله (عتوداً ) ضائعاً لا يعرف له راعٍ بل ينط من هنا إلى هناك ثم العكس من هناك إلى هنا دون ادراك لما يفعله من فوضى وعواقبها.
ربما حديثي عن (العتود) و(العوقة) يبدو هزلياً في ظاهره، لكنه في جوهره دعوة جادة لأن نعيد الاعتبار لمفرداتنا ولهجاتنا وثقافتنا المحلية و الحفاظ على الطيب منها والتخلي عن كل القبيح فالوطن بلا ذاكرة لغوية كبيت بلا حياة بلا حوش ولا أغنام ولا ديوك تصيح عند الفجر تؤذن بسلام للسلام
فإن أردنا أن نُشفى من العوق، فعلينا أن نُعلم أبناءنا كيف (يبتق) الزرع و (يثغو العتود).



